الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

308

نفحات القرآن

جمع الآيات وتفسيرها شجار أصحاب النار : إنّ الآية الأولى تبيّن حال فريق من الكفار عندما يرون نتيجة أعمالهم عند اللَّه ، فيقولون : « رَبَّنَا انَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَظَلُّونَا السَّبِيلَا » ، فما كنا نُبتَلى بهذا المصير لولاهم ، ثم يقولون : « رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ » ( عذاباً لكفرهم وعذاباً لأنّهم أضلونا ) « وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً » . فهم لا يريدون سوى تبرير أعمالهم بكلامهم هذا ، صحيح أنّ لرؤسائهم دوراً في انحرافهم ، لكن هذا الأمر لا يسلب عنهم المسؤولية تجاه أعمالهم . وصحيح أنّ وسوسة القادة المفسدين والزعماء الضالين والمضلين جعلت حجاباً على عقولهم وأفكارهم فحال دون تفكيرهم الصحيح ، إلَّاأنّ مقدّمات هذا الأمر هم هيأوها بأنفسهم لأنّهم سلموا أنفسهم عشوائياً إلى هؤلاء من دون احراز أهليتهم للقيادة . وهناك خلاف بين المفسرين في الفرق بين سادتنا وكبراءنا ، أو بالأحرى هل هناك فرق بينهما أم لا ؟ يعتقد البعض أنّ « سادتنا » إشارة إلى ملوك وسلاطين المدن والدول ، و « كبراءنا » إشارة إلى الرؤساء المحليين ، حيث عُدت طاعة السادة مكان طاعة اللَّه ، وطاعة الكبراء مكان طاعة الرسول ، فقدرة وصلاحية الفريق الأول أكثر من الفريق الثاني ولهذا قُدِّم . ويعتقد البعض أنّ السادة إشارة إلى الملوك وأصحاب القدرة ، والكبراء إشارة إلى كبار السن ، ولهذا يتبعهم بعض الناس . ويعتقد آخرون أنّ كليهما بمعنى واحد وأنّهما قد وردا للتأكيد « 1 » . ويبدو أنّ المعنى الأخير أنسب من جميع المعاني السابقة . وتجدر الإشارة إلى أنّ « سادة » جمع « سيد » والسيد يعني رئيس السواد ( أي الجمع الغفير من الناس ، وقد اطلق عليه سواداً من باب أنّه يبدو أسود اللون من بعيد ) ثم أطلقت

--> ( 1 ) . راجع تفسير روح المعاني ، ج 22 ، ص 87 ؛ تفسير الميزان ، ج 16 ، ص 369 ؛ الكبير ، ج 25 ، ص 232 .